إيمان جابر EMAN JABER الرئيسية ↗
تزوجتُ وحشًا من لونور — سلسلة ممالك النجوم

الفصل الأول — ما وراء النجوم

كان الفضاء دائمًا يخيف هانا.

ليس لأنها رائدة فضاء غير متمرسة، بل لأنها تعرف حقيقته.

يعرضونه على الشاشات كلوحة هادئة مرصعة بالنجوم، لكنه في الواقع فراغ بلا رحمة. فراغ يكفي فيه ثقب صغير في البدلة لينتهي كل شيء خلال ثوانٍ.

لهذا كانت تراجع عداداتها للمرة العاشرة وهي تتحرك فوق سطح الكويكب.

الأكسجين... ممتاز.

الضغط... مستقر.

حرارة البدلة... ضمن المعدل.

تنفست ببطء، محاولة تجاهل ذلك الانقباض القديم في صدرها. ظل يرافقها رغم سنوات التدريب، وربما سيبقى دائمًا. فالإنسان لم يُخلق ليقف فوق صخرة تسبح في العدم، يفصله عن الموت بضعة مليمترات من المعدن والألياف.

"كل شيء بخير عندك؟"

وصلها صوت جايسون عبر السماعة، فابتسمت دون أن تشعر.

"تسألني كل خمس دقائق."

ضحك.

"لأنك الوحيدة التي تستطيع تحويل مهمة علمية إلى سباق مع القلق."

قلبت عينيها.

"اسكت، وركز على قراءاتك."

عادت تمرر جهاز المسح فوق الصخور السوداء. لم يكن حولها سوى صمت مطلق؛ حتى خطواتها لم تكن تُصدر صوتًا، وهذا أكثر ما كانت تكرهه في الفضاء. فحين يصمت كل شيء، لا يبقى للإنسان سوى أفكاره، وأفكارها لم تكن لطيفة هذه الأيام. كانت تفكر بوالدها، وبالوعد الذي قطعته له قبل الإقلاع.

"سأعود."

قالتها بثقة يومها، لكنها الآن أدركت أن رواد الفضاء يكذبون كثيرًا عندما يودعون من يحبون. ليس لأنهم يريدون الكذب... بل لأن أحدًا لا يستطيع أن يعد بشيء في هذا المكان.

اهتزت خوذتها اهتزازًا خفيفًا.

توقفت.

هل شعرت بذلك فعلًا؟

حدقت في الشاشة المثبتة على معصمها؛ كل القراءات طبيعية.

إذًا لماذا...

عاد الاهتزاز.

هذه المرة كان أوضح.

رفعت رأسها نحو المركبة المعلقة فوق الكويكب، ولاحظت أن أضواءها تومض بطريقة غير مألوفة، وقبل أن تنطق، جاء صوت الحاسوب الآلي داخل خوذتها:

"تحذير... اضطراب غير معروف في المجال المحيط."

انعقدت معدتها.

"جايسون؟"

لم يجب فورًا. كل ما سمعته كان أنفاسه، ثم جاء صوته مختلفًا هذه المرة:

"هانا... ارجعي إلى المركبة."

لم يعجبها صوته. كان هادئًا أكثر من اللازم... وهذه علامة سيئة دائمًا.

بدأت تتحرك بسرعة، لكنها توقفت بعد خطوتين.

شيء ما في السماء لم يكن موجودًا قبل لحظة.

عبست.

هل كانت تهلوس؟

بدت النجوم نفسها وكأنها تنحني نحو نقطة واحدة، كما لو أن الكون كله يُسحب إليها، فشعرت بوخزة باردة تزحف على طول عمودها الفقري.

"هذا مستحيل..."

لم يدرسوا أي ظاهرة تشبه هذه. لم تذكرها ناسا، ولم ترَ شيئًا قريبًا منها حتى في المحاكاة.

صرخ جايسون فجأة:

"هانا، بربك! أسرعي!"

ارتفع نبضها بعنف، وقبل أن تستدير... انشق الفضاء.

لم تجد كلمة أخرى تصفه.

بدا كجرح أسود فُتح في نسيج الكون نفسه، فتجمدت في مكانها، بينما حاول عقلها أن يجد تفسيرًا علميًا، أي تفسير، لكن الرعب سبق المنطق. ثم غمرها ضوء أبيض، وفجأة اختفى ثقل جسدها، كأنها لم تعد تنتمي إلى هذا الكون.

***

استيقظت هانا على إحساس بارد ينساب فوق جبينها. لم تكن تعرف كم مضى من الوقت؛ ثوانٍ، أم دقائق، أم ربما أيام كاملة. لم تشعر سوى بانقباض عضلاتها وارتجاف أصابعها قبل أن تفتح عينيها ببطء.

في البداية، لم تستطع تمييز شيء. كان الضوء الذي يملأ الغرفة ناعمًا وغريبًا، لا يشبه مصابيح المستشفيات ولا شاشات المركبات الفضائية. بدا وكأنه ينبعث من الجدران نفسها، حتى خُيّل إليها أن المادة البيضاء المحيطة بها تتوهج من الداخل.

ظلت مستلقية للحظات، تحاول جمع شتات ذاكرتها. آخر ما تتذكره كان الكويكب، وصوت جايسون في جهاز الاتصال، ثم ذلك الشق الأسود الذي مزق السماء قبل أن يبتلع كل شيء. بعد ذلك... فراغ تام.

اعتدلت دفعة واحدة، أسرع مما ينبغي. فدار العالم من حولها بعنف، واضطرت إلى الإمساك بحافة السرير حتى لا تسقط.

أغمضت عينيها، واستنشقت نفسًا طويلًا وهي تستعيد ما حفظته خلال سنوات التدريب.

لا تدعي الذعر يقودك. راقبي. حللي. تنفسي.

لكن كل ما تعلمته انهار في اللحظة التي انتبهت فيها إلى ما ترتديه.

لم يبقَ من بدلة الفضاء سوى طبقتها الداخلية الرمادية.

اتسعت عيناها وهي تحدق في نفسها. اختفت القفازات، والخوذة، وحتى وحدة دعم الحياة، وكأنها لم تكن موجودة.

تجمدت للحظة.

لم تتذكر أنها نزعت أيًّا منها، ولم يكن في ذاكرتها ما يفسر كيف انتهى بها الأمر على هذا السرير بهذه الهيئة.

هبط بصرها إلى ما تبقى من بدلتها، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

إذا لم تكن هي من خلعها...

فمن فعل؟

هبطت من السرير وأخذت تفحص ذراعيها وساقيها بيدين مرتجفتين، تبحث عن جرح، أو وخزة إبرة، أو أي علامة قد تفسر ما حدث لها. لكنها لم تجد شيئًا؛ لم يكن عليها خدش واحد، وكأن أحدًا تعامل معها بعناية شديدة.

ازداد خفقان قلبها وهي ترفع رأسها ببطء لتتأمل المكان من حولها.

لم تشبه الغرفة أي شيء رأته في حياتها. خلت من الزوايا الحادة والمفاصل التي تفصل الجدران عن السقف أو الأرضية، وكأنها صُنعت من قطعة واحدة. لا باب ظاهر، ولا نافذة، ولا شاشة، ولا جهاز يمكنها التعرف إليه، ومع ذلك كان المكان كله ينبض بإحساس غريب بالحياة. حتى الأرضية الناعمة تحت قدميها بدت مصنوعة من مادة لم ترَ مثلها من قبل.

انعقدت معدتها.

"هذه ليست مركبة ناسا..."

اقتربت بحذر من أحد الجدران، ومدت يدها تلامسه. كان دافئًا على نحو غريب. ليس دفئًا ميكانيكيًا يصدر عن الأجهزة، بل دفء يشبه جلد إنسان وقف طويلًا تحت أشعة الشمس.

سحبت يدها بسرعة، كأنها لمست شيئًا حيًا.

بدأ عقلها يقلب الاحتمالات واحدًا تلو الآخر. هل أنقذتها مركبة تابعة لدولة أخرى؟ مستحيل. هل أصيبت بهلوسة بسبب نقص الأكسجين؟ لكن الألم الذي يخفق في رأسها حقيقي، والرائحة حقيقية، وحتى ملمس الأرضية تحت قدميها حقيقي.

لم يبقَ أمامها سوى احتمالين، وكلاهما رفض عقلها قبوله.

إما أنها فقدت جزءًا من ذاكرتها...

أو أن كل ما تعرفه عن الكون لم يعد صحيحًا.

وفي تلك اللحظة، انشق الجدار المقابل بصمت تام، كما لو أن المادة البيضاء ذابت ثم أعادت تشكيل نفسها، تاركة فتحة لم تكن موجودة قبل ثانية واحدة.

تسارعت أنفاسها.

ودخل رجل، كان أول ما لاحظته فيه ليس وجهه... بل طوله.

كان أطول من أي إنسان رأته في حياتها، حتى إنها اضطرت إلى رفع رأسها لتنظر إليه كاملًا. بدأت التفاصيل تتجمع أمامها ببطء، كأن عقلها يرفض تصديق ما يراه؛ شعر فضي بلون المعدن تحت ضوء القمر.

كان عريض الكتفين، يتحرك بثقة وهيبة، مرتديًا بذلة داكنة ذات تصميم لم ترَ مثله من قبل. زاد لونها القاتم من وضوح بشرته شديدة البياض، حتى بدا كتمثال منحوت من الرخام.

وحين التقت عيناه بعينيها، شعرت وكأن العالم توقف للحظة. كانتا ذهبيتين، مختلفتين عن عيون البشر؛ عميقتين، يتوسط كلًّا منهما بؤبؤ رأسي دقيق يشبه عيون القطط البرية.

كان غريبًا...

غريبًا، ولافتًا بصورة أرعبتها.

تسارع نبضها دون أن تعرف إن كان ما تشعر به مجرد خوف، أم شيئًا آخر لا تملك له اسمًا. بحثت عن تفسير منطقي؛ ربما كانت عيناه عدستين، أو كان يعاني تشوهًا جينيًا، أو حتى نتاج تجربة مخبرية. لكن كل تفصيل فيه كان ينسف الاحتمال الذي سبقه.

هذا...

ليس إنسانًا.

والأسوأ...

أن جزءًا منها كان عاجزًا عن إبعاد نظرها عنه، بينما بقي هو صامتًا يراقبها بثبات جعل قلبها يقفز داخل صدرها.

تحرك خطوة واحدة فقط... فتوقفت هي عن التنفس. وعندما تكلم أخيرًا، خرج صوته عميقًا وهادئًا، يحمل إيقاعًا موسيقيًا غريبًا لم تسمع مثله من قبل.

لم تفهم كلمة واحدة، لكنها لم تحتج إلى فهم لغته لتشعر بالخطر. كان في عينيه اهتمام مركز، وكأنه وجد أمامه شيئًا لم يتوقع العثور عليه.

ارتعشت أوصالها، وانقبضت معدتها.

لم تكن تلك نظرة فضول عابر...

بل نظرة من وجد أخيرًا ما كان يبحث عنه.

تبًّا... لقد هلكت لا محالة.

© إيمان جابر — جميع الحقوق محفوظة