لم تعرف هانا كم مضى من الوقت.
لم يكن في الغرفة نافذة، ولا ساعة، ولا حتى تغير في الإضاءة يدل على تعاقب الليل والنهار. ظل الضوء الأبيض الناعم ينساب من الجدران بالسطوع نفسه، حتى فقدت إحساسها بالزمن تمامًا.
راحت تدور في الغرفة للمرة العاشرة، تمرر أصابعها على الجدران الملساء، تبحث عن مفصل، أو لوحة تحكم، أو أي شيء يوحي بوجود مخرج خفي. لم تجد شيئًا.
كل سطح فيها بدا قطعة واحدة، كأن الغرفة نُحتت من مادة واحدة ثم صُقلت حتى اختفت حدودها.
زفرت بضيق.
"حسنًا... إن كانت هذه زنزانة، فهي أكثر الزنازين تطورًا التي رأيتها في حياتي."
رن صوت خافت، ثم انفرج الجدار بصمت.
انتفضت واقفة.
دخل أحد الرجال مرة أخرى، ولكن هذه المرة كان يحمل بين يديه صينية سوداء لامعة. لم يتبادل معها كلمة واحدة، بل وضعها فوق الطاولة القريبة، ثم انحنى برأسه انحناءة مقتضبة وغادر.
ظلت تحدق في الطعام عدة ثوانٍ.
كان آخر شيء توقعته.
اقتربت بحذر.
توسط الصينية وعاء شفاف يحتوي على حبات بيضاوية صغيرة، يتدرج لونها بين الأزرق والبنفسجي، يعلوها بخار رقيق تفوح منه رائحة تشبه الزبدة الطازجة مع الأعشاب، لكنها تحمل نكهة معدنية خفيفة لم تعرف مصدرها. إلى جوارها شرائح رقيقة من شيء يشبه الفطر، لكنها تلمع بخيوط فضية دقيقة، وكوب صغير امتلأ بسائل كهرماني صافٍ، ينعكس الضوء داخله كأنه ذهب سائل.
حدقت فيه مترددة.
كان عقلها يصرخ فيها ألا تأكل شيئًا لا تعرف مصدره.
لكن معدتها كان لها رأي آخر.
منذ أيام، أو هكذا خُيّل إليها، لم تتناول سوى حصص رواد الفضاء المضغوطة؛ معجون بروتين، وخضروات مجففة، وأطعمة فقدت أي معنى لكلمة "لذيذ".
أما هذا...
فكانت رائحته وحدها كفيلة بإثارة شهيتها.
التقطت إحدى الحبات البيضاوية بحذر، ثم قضمت طرفها.
اتسعت عيناها.
كان قوامها هشًا من الخارج، لكنه يذوب في الفم كالكريمة، تاركًا مذاقًا دافئًا يجمع بين البطاطس المشوية والزبدة والعسل، مع نكهة عشبية غريبة لم تتذوق مثلها من قبل.
"يا إلهي..."
لم تشعر بنفسها إلا وهي تأكل الثانية... ثم الثالثة.
وعندما انتهت، أدركت أنها أفرغت الطبق كله.
كرهت اعترافها بذلك، لكنها لم تستمتع بوجبة إلى هذا الحد منذ بداية المهمة.
ما إن ابتعدت عن الطاولة حتى انفرج الجدار مرة أخرى.
دخل المعاون نفسه.
ألقى نظرة سريعة على الطبق الفارغ، ثم قال ببرود:
"جيد."
تقدم نحوها وأضاف باقتضاب:
"قفي."
رمشت باستغراب، لكنها بقيت في مكانها.
رفع عينيه إليها، ونفد صبره سريعًا.
"قلت قفي."
نهضت ببطء وهي تراقبه بتوجس. أخرج من حزامه قطعتين معدنيتين شديدتي اللمعان، بدتا كأساور عريضة مصنوعة من معدن فضي ينساب على سطحه ضوء خافت.
قطبت حاجبيها.
"ما هذه؟"
"إجراء أمني."
قبل أن تستوعب قصده، أمسك بمعصمها وثبّت السوار حوله بحركة سريعة، ثم فعل الشيء نفسه بالآخر.
لم تشعر بأي ضغط. كان السواران خفيفين إلى درجة جعلتها تظنهما وسيلة للتعريف أو التتبع، لكن طنينًا إلكترونيًا خافتًا بدد ذلك الظن.
اندفعت من داخلهما خيوط معدنية رفيعة، تشابكت بسرعة حتى شكلت سلسلة مرنة بين يديها.
تجمدت.
جذبت يديها بعنف، فشدتهما السلسلة إلى بعضهما.
"ما هذا؟!"
رفعت رأسها إليه، والغضب يطغى على ملامحها.
"أزلها."
لم يتحرك.
"قلت أزلها!"
نظر إليها ببرود، ثم قال دون أن تتغير نبرته:
"غير ممكن."
اشتعل الدم في عروقها.
"أنا لست مجرمة! لن أقبل أن تعاملوني بهذه الطريقة!"
"أوامر الجنرال."
ثم صمت.
حدقت فيه لحظة، تنتظر تفسيرًا... أو حتى اعتذارًا.
لم يأتِ شيء.
إذًا كان يتحدث عن قائدهم... ذلك الرجل ذا العينين الذهبيتين.
عاد وجهه إلى ذاكرتها بكل ما فيه من هدوء مستفز، والطريقة التي أخبرها بها أن العودة إلى الأرض ليست ممكنة، وكأنه يقرأ تقريرًا عن الطقس، لا مصير إنسانة.
شدت هانا السلسلة بين معصميها، ثم رفعت نظرها إليه.
"إلى أين تأخذني؟"
"ستعرفين عندما نصل."
استدار نحو الباب.
"تحركي."
ولما بقيت مكانها، اقترب ووضع كفه بين كتفيها، ثم دفعها خطوة إلى الأمام.
لم يكن دفعًا عنيفًا...
لكنه كان كافيًا ليخبرها أن الأوامر، على متن هذه السفينة، تُنفذ... سواء أعجبتها أم لا.
ما إن انفتح الباب حتى توقفت مكانها.
انقطع نفسها للحظة.
امتد أمامها ممر هائل تحيط به جدران شفافة من الجانبين، حتى بدا وكأنها تسير في قلب الفضاء نفسه. لم يكن هناك سوى طبقة رقيقة من مادة زجاجية تفصلها عن الكون، فيما انبسطت النجوم حولها بأعداد لم ترها من قبل، تتلألأ وسط سحب بنفسجية وزرقاء تمتد عبر السماء كأنهار مضيئة.
وفي الأفق، هيمن على المشهد كوكب عملاق بلون الفيروز الداكن، تحيط به حلقات فضية متوهجة، بينما دارت حوله ثلاثة أقمار بأحجام مختلفة، تعكس أضواءها على الحلقات حتى بدا المشهد أقرب إلى لوحة حية منه إلى جرم سماوي.
توقفت قدماها من تلقاء نفسيهما.
همست دون أن تشعر:
"هل... هذا هو لونور؟"
رغم كل شيء، لم تستطع أن تمنع نفسها من التحديق.
قضت سنوات تتدرب لتصبح رائدة فضاء، وحلمت منذ طفولتها بأن ترى الكون بعينيها، لكنها لم تتخيل يومًا أن تقف أمام منظر كهذا.
وللحظة قصيرة جدًا، نسيت القيود، ونسيت خوفها، ونسيت حتى أنها بعيدة عن الأرض.
لكن ما إن تحركت حتى اصطدمت السلسلة المعدنية ببعضها، فأصدر المعدن رنينًا خافتًا أعادها إلى واقعها كصفعة.
خفضت بصرها إلى معصميها.
ما زالت سجينة.
ولم يكن في الكون كله منظر قادر على تغيير تلك الحقيقة.
قادها المعاون عبر الممر الزجاجي حتى توقف أمام باب دائري انزلق إلى الداخل بصمت.
وقبل أن يأمرها بالدخول، رفع معصمها ولمس أحد الخطوط الدقيقة على السوار. صدر طنين إلكتروني خافت، ثم تفككت السلسلة بين يديها واختفت داخل السوارين.
حركت هانا معصميها بدهشة. استعادت حرية يديها، لكن السوارين بقيا في مكانهما.
التفتت إليه بحدة.
"ألن تزيلهما أيضًا؟"
أجاب باقتضاب:
"لا."
ثم أضاف بالنبرة العملية نفسها:
"ادخلي... ونظفي نفسك."
عقدت حاجبيها باستغراب.
"أنظف نفسي؟"
لم يجب، واكتفى بالنظر إليها ببرود، وكأن الأمر لا يستحق مزيدًا من الشرح.
ترددت هانا لحظة قبل أن تخطو إلى الداخل. وما إن رفعت رأسها حتى جالت بنظرها في المكان، لكن ملامح الحيرة ارتسمت على وجهها فورًا.
إذا كان يقصد أن تستحم...
فأين الحمام؟
ألقت نظرة سريعة حولها، لكنها لم تجد شيئًا يشبه الحمامات التي تعرفها. لا مرحاض، ولا مغسلة، ولا صنبور مياه. كانت الغرفة دائرية تقريبًا، جدرانها ملساء بلون العاج، تتخللها خطوط فضية دقيقة تمتد حتى السقف، بينما توسطتها منصة منخفضة لا يزيد ارتفاعها على بضع سنتيمترات.
التفتت إليه باستغراب.
"أين يفترض أن أغتسل؟"
نظر إليها نظرة سريعة، ثم قال وكأن السؤال بديهي:
"أمامكِ."
رمشت.
"لا أرى شيئًا."
أطلق زفرة قصيرة نفد معها ما تبقى من صبره، ثم تجاوزها بخطوات سريعة. مرر كفه فوق أحد الخطوط المعدنية المدمجة في الجدار، فأضاءت الغرفة بضوء أزرق هادئ، وفي اللحظة التالية انهمرت من السقف خيوط دقيقة من الماء، أشبه بضباب كثيف يتحول إلى تيار دافئ بمجرد وصوله إلى المنصة.
اتسعت عيناها.
"كيف...؟"
تابعت حركة يده بدهشة، ثم لم تستطع منع الفكرة الساخرة التي مرت في رأسها.
"حتى تشغيل الدش هنا يحتاج إلى دورة تدريبية... أحسنتِ يا هانا، لقد وصلتِ إلى حضارة تفوق البشر بقرون، ولا تعرفين حتى كيف تستحمين."
توجه المعاون إلى تجويف صغير في الجدار، وأخرج منه رداءً طويلًا أبيض اللون، ووضعه فوق المنصة.
"ارتدي هذا عندما تنتهين. لديكِ خمس دقائق."
ثم غادر، واتخذ موقعه خارج الغرفة كحارس يؤدي مهمة روتينية لا أكثر.
تأملت هانا الرداء لثوانٍ. كان مصنوعًا من نسيج غريب ينساب فوق المنصة كما لو كان سائلًا، ويعكس الضوء بألوان فضية ولؤلؤية متبدلة. مدت يدها تتحسسه بحذر، فتفاجأت بنعومته؛ لم يكن يشبه الحرير، ولا أي قماش عرفته من قبل.
تنفست ببطء.
"على الأقل... لن يقف هنا يراقبني."
ثم بدأت تستعد للاغتسال.
ما إن خطت فوق المنصة حتى انهمر الماء الدافئ من أعلاها في خيوط دقيقة، واختفى قبل أن يتجمع على الأرض، وكأن النظام يعيد امتصاصه فورًا. وفي غضون دقائق، زالت عنها آثار الرحلة الطويلة، وخف بعض الإرهاق الذي أثقل جسدها طوال الساعات الماضية.
أغمضت عينيها للحظة.
للمرة الأولى منذ استعادت وعيها، سمحت لنفسها بالاسترخاء.
أما عقلها... فظل يقظًا.
"اهدئي يا هانا... راقبي كل شيء. احفظي الطريق. عدي الأبواب. لا توجد سفينة في الكون بلا وسائل نجاة أو مركبات إخلاء. وإذا وجدتِ واحدة... فستغادرين."
ما إن انتهت حتى ارتدت الرداء. كان خفيفًا وفضفاضًا، يصل إلى كاحليها، ويتغير لونه بين الأبيض والفضي كلما انعكس عليه الضوء.
دفعت الباب برفق وخرجت.
كان المعاون لا يزال في مكانه. وما إن خرجت حتى أمسك بأحد السوارين ولمس الخط المعدني على سطحه.
صدر طنين خافت، وعادت السلسلة بين معصميها.
تجمدت للحظة، ثم اشتعل غضبها.
"ما حاجتكم إلى تقييدي الآن؟!"
رفعت يديها أمامه.
"فككتها منذ دقيقة! أتخشون أن أهرب؟ إلى أين؟ أقفز من السفينة إلى الفضاء؟!"
لم يرفع عينيه إليها حتى.
اكتفى بأن وكزها بين كتفيها لتتحرك.
اشتعلت رغبة عارمة في داخلها بأن تدفعه وتركض، لكنها أطبقت على أسنانها.
لا... ليس الآن.
المقاومة لن تفعل سوى زيادة الحراسة، وربما المزيد من القيود.
أخذت نفسًا بطيئًا.
"فكري يا هانا. افهمي السفينة، احفظي الطرق، وابحثي عن ثغرة... ثم اهربي."
كررت الخطة في رأسها حتى هدأ نبضها قليلًا، ثم تابعت السير على مضض.
وما إن قطعا عدة ممرات حتى بدأت تدرك الحجم الحقيقي للمكان.
لم تكن تسير داخل سفينة.
كانت تسير داخل مدينة كاملة، معلقة بين النجوم.
امتدت الممرات في جميع الاتجاهات، تربطها جسور شفافة ومنصات متعددة المستويات، بينما يتحرك عشرات الرجال ذوي الشعر الفضي في أعمالهم، لا يلتفت معظمهم إليها إلا بنظرات فضول عابرة قبل أن يعودوا إلى ما كانوا يفعلونه.
تباطأت خطواتها من تلقاء نفسها.
"كم يبلغ حجم هذه السفينة؟"
توقف المعاون أخيرًا أمام باب شاهق يزيد ارتفاعه على ثلاثة طوابق. انشق إلى نصفين، كاشفًا عن منصة دائرية ضخمة تتوسط أنبوبًا زجاجيًا يمتد صعودًا وهبوطًا حتى يختفي عن الأنظار.
تسمّرت هانا وهي تحدق إلى الأعلى.
جاءها صوته الجاف من خلفها:
"تحركي."
لم تستجب.
اقترب خطوة.
"إن بقيتِ مكانكِ، فسيسحقكِ الباب."
انتفضت ودخلت المنصة بسرعة. وفي اللحظة نفسها، بدأ الباب العملاق ينزلق نحو الإغلاق، قبل أن تنطلق المنصة صعودًا بصمت، تاركة المستويات السفلية تبتعد شيئًا فشيئًا تحت قدميها.